يُطلق مصطلح
جمع القرآن على معنيين أساسيين. الأول حفظه في الصدور، والثاني جمعه عن طريق كتابته.
قال تعالى في
سورة القيامة: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ} والمعنى جمع القرآن في صدرك وإثبات قراءته على لسانك. وقد حفظ القرآن كثير من
الصحابة أشهرهم:
أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم وغيرهم الكثير.
لقد انتقل النبي
محمد عليه صلوات الله وسلامه والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب في الرقاع واللخاف والعسب والأكتاف، لكنه مفرق ولم يرتب في مصحف واحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ظل القرآن الكريم على هذه الحال مفرقًا غير مجموع في مصحف واحد، إلى أن كانت خلافة
أبي بكر رضي الله عنه، فواجهته أحداث جسيمة، وقامت
حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في
وقعة اليمامة -
سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي استشهد فيها سبعون قارئاً من حفاظ القرآن. هالَ ذلك
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وخاف أن يضيع شيء من القرآن بموت حفظته، فدخل على أبي بكر، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من مقالته، وكَبَرَ عليه أن يفعل ما لم يفعله النبي، فظل عمر يراوده حتى اطمئن أبو بكر لهذا الأمر. ثم كلف أبو بكر
زيد بن ثابت بتتبع الوحي وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال. حرص زيد بن ثابت على التثبت مما جمعه، ولم يكتف بالحفظ دون الكتابة، وحرص على المطابقة بين ما هو محفوظ ومكتوب، وعلى أن الآية من المصدرين جميعًا. فكان ذلك، أول جمع للقرآن بين دفتين في مصحف واحد. واحتفظ أبو بكر بالمصحف المجموع حتى وفاته، ثم أصبح عند
حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها.جمع القرآن في عهد عثمان اتسعت رقعة الأمصار الإسلامية في عهد
عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتفرّق الصحابة في الأمصار يُقرِئون الناس القرآن، وأخذ كل بلدٍ عن الصحابي الذي وفد إليهم قراءته، وظهرت قراءات متعددة منشؤها اختلاف لهجات العرب. ولما اجتمع أهل
العراق وأهل
الشام لغزو ثغور
أرمينية وأذربيجان، ظهر الخلاف بينهم في قراءة القرآن، وأنكر بعضهم على بعض ما يقرأون. شهد ذلك
حذيفة بن اليمان، فركب إلى عثمان وبلّغه بالأمر. فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر، يطلب المصحف لنسخه، وأمر زيد بن ثابت
وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها، وجعلوا كتابته على لهجة قريش. ثم أرسل عثمان النسخ إلى
مكة والشام والبصرة والكوفة واليمن والبحرين، وأبقى عنده في
المدينة مصحفًا واحدًا، فقضى على الاختلاف بين بعض المسلمين. وقد درج العلماء على تسمية المصحف المكتوب بأمر عثمان
بمصحف عثمان أو
المصحف الإمام.