تعني الحداثةُ بشكلٍ عامّ ومختصر التّجديدَ والتّحديثَ للموروث القديم، بحيث تتشكّل من خلالها مواقف جديدةٌ من العالم والأشياء، وتفتح هي -بتبنّي أفكارها ورؤاها- سبلًا ومسارات متعدّدة للإسهام في مضاعفة وعي الإنسان وزيادة مركزيّته ككائنٍ مفكِّر. وعندما نطبّق هذا المفهوم على الشعريّة فإننا نعني الوصول إلى تشكيلاتٍ شعريّة جديدة، تتجاوز التّقليديّ والقديم والمألوف، وتنفتح على تجاربَ أكثر انطلاقًا وتحرّرًا من قوانين الشعريّة المتعارف عليها شكلًا ومضمونًا. انطلاقًا من هذا الفهم، سنجد أنّ الشعر الحديث -بعمومه- كان الشّعر الذي تخلّص من الشكل العموديّ القديم، واعتمدَ التفعيلةَ وحدةً أساسيّة له، فانعتقَ من حساسية الشّكل الخارجيّ للقصيدة إلى حدّ كبير، وركّز على تحويل القيمة الشعريّة من قيمة غنائيّة وصوتيّة إلى قيمةٍ فكريّة، فتحوّلت بذلك وظيفة الشّعر من المتعة أو التّعلم إلى كونه مجالًا لإثارة الأسئلة، وإعادة النّظر في المفاهيم، وفهم الذات وتفكيكها من الدّاخل لا من الخارج. يمكن القول ببساطةٍ إنّ الحداثة الشعريّة هي قيام الشعر بعمليّة التثوير والتغيير على المستوى الذهني، تواؤمًا مع أفكار الحداثة التي ترى ضرورة تعزيز قيمة فكريّة الإنسان ومركزيّة عقله.